مائة عام على الحرب العالمية الاولى –أسبابها قائمة لحرب عالمية جديدة ؟

د. هيثم عياش

في الثامن والعشرين من حزيران/يونيو من عام 1914 أقدم شباب من منظمة الطلاب البوسنوية على تصفية ولي عهد القيصرية النسماوية – الهنغارية / في سراييفو فرانس فرديناند / 1863-1914 من أسرة هابسبورج .  كانت أسرة هابسبورج قد اعتلت حكم النمسا عام 1273 الا ان هذه الاسرة اصبحت من خلال توسعة نفوذها في هنغاريا وكرواتيا وبوهيميا / احدى المقاطعات الالمانية التي اصبحت منذ نهاية الحرب العالمية الاولى عام 1918 تابعة للتشيك / ومن خلال المصاهرة بين أعوام 1438 و 1527 مع ملوك اسبانيا والبرتغال والقيصرية الالمانية القوة الرئيسية الاولى في اوروبا واستلامها عام 1527 حماية الدين المسيحي تحت اسم / القيصرية الرومانية المقدسة /  لمواجهة دولة الخلافة العثمانية الاسلامية التي أخافت اوروبا منذ فتح السلطان العثماني أبو الفتح وأبو الخيرات  محمد / الثاني – 833- 886 هـ - 1429 – 1481م / الفاتح استانبول التي كانت تعرف بالقسطنطنينية في يوم العشرين من جمادى الاولى عام 857 للهجرة الذي صادف يوم 29 أيار من عام 1453 للميلاد محققا بذلك بشارة رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الامام احمد بن حنبل رضي الله عنه بمسنده عن عبد الله بن بشر الخثعمي عن أبيه انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول  لتفتحن   القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش . Iهذا الحديث أيضا رواهالبخاري في التاريخ الكبير عن بشر الغنوي، 2/81. ورواه ابن عبد البر في الاستيعاب عن بشر الغنوي، 1/250 وقد نجم عن فتح استانبول اجماع الاوروبيين اسناد زعامة اوروبا لأسرة هابسورج القوية لحماية اوروبا من الزحف الاسلامي العثماني .

وكان سبب إقدام شباب منظمة الطلاب البوسنوية قتل ولي عهد القيصرية النمساتوية الهنغارية تحرير البوسنة من احتلال الدولة المذكورة بدعم من صربيا والجبل الأسود ، وكانت الحرب في بادئ أمرها والتي ساندت وقتها القيصرية الالمانية التي كان يحكمها القيصر فيليهم الثاني / 1859-1941/ ومستشار الرايخ تيودور فون فيثمان هولفيج الامبراطورية النمساوية بدون شروط منحصرة بين الامبراطورية المذكورية وصربيا التي اعلنت الحرب على المانيا والنمسا بسبب تهديد النمسا لصربيا بعدم دعم الثوار البوسنويين الامر الذي جعل صربيا تعتقد بانه اعتداء على شرعيتها الا ان تدخل روسيا واليونان  الى جانب صربيا  كان وراء دخول تركيا الدولة العثمانية الصراع الى جانب المانيا والنمسا جراء الحروب التي كانت بين الدولة العثمانية وروسيا واليونان  تلك الدولة التي كانت وراء تحريض شعوب البلقان على الدولة العثمانية  ثم تدخلت بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية الى جانب روسيا 

الا أن للحرب الاولى التي حصدت حوالي 20 مليون نسمة ووصلت تكاليفها المادية الى حوالي 956 مليار مارك ذهبي كانت لها أسبابها المباشرة وجاءت تصفية ولي عهد امبراطورية النمساوية فرصة سانحة للدول الاوروبية لتنتقم من بعضها البعض وسيطرة القوي منها على الضعيف  بمثابة  فرصة للانتقام والقشة التي قصمت ظهر البعير .

فقد عقد سياسيو اوروبا عام 1876 تحت رئاسة مستشار الرايخ اوتو فون بسمارك / 1813 – 1898 / ببرلين تحت سقف مبنى البرلمان الالماني الحالي الذي كان  يطلق عليه / رايشستاج / ان الدولة العثمانية وأسرة هابسبورج اصبحتا الرجل المريض / الدولة العثمانية رجل البوسفور المريض وهابسبورج رجل اوروبا الذي يحتضر ، ولا بد من ايجاد قوة  جديدة باوروبا تبسط سيطرتها على الشرق الاوسط وشمال افريقيا من جديد اضافة الى اوروبا .

أما  أسباب وقوع الحرب العالمية الاولى التي شاركت فيها اربعون دولة في العالم بمنطقة الشرق الاوسط وأوروبا  وبعض دول منطقة شمال  افريقيا وآسيوية فكثيرة  نذكر منها النزاع بين المانيا وفرنسا بسبب سيطرة الأخيرة على منطقة الالزاس / وعاصمتها الحالية شتراسبورج /  فقد استغلت باريس ضعف القيصرية البروسية فقامت بضم منطقة  الالزاس اليها عام 1871 اثناء السباق على القوة في اوروبا والخشية من قيام قيصرية جديدة بألمانيا  قوية خلفا للقيصرية البروسية  واستطاعت المانيا اثناء الحرب العالمية الاولى ضد فرنسا استعادة تلك المنطقة الا انها خسرتها نهائيا بعيد اندحرها بالحرب العالمية الاولى وقامت اتفاقية اعترفت فيه المانيا بنفوذ فرنسا على  تلك المنطقة . ومن الاسباب المباشرة للحرب ، الحروب الصغيرة المحصورة بمنطقة البلقان وخاصة الحرب بين دولة الخلافة العثمانية   وصربيا التي كانت روسيا تقف وراءها  وتدعمها ادت الى الحرب الثامنة بين العثمانيين والروس بين عامي 1875 و 1878 والحرب الصربية البلغارية  عام 1883 التي كانت من أسباب خيبة امل الصرب من الروس لتوقيعهم معاهدة مع العثمانيين تكمن بعدم تدخلهم بالشئون الداخلية للدول التي كانت تابعة للدولة العثمانية    تلك الحرب التي وقعت لمنع البلغار المتعاطفين مع الدولة العثمانية  من مساعدة مقدونيا  ضد الروس والصرب اضافة الى انهزام بحربها مع اليابان من اجل السيطرة على جزيرة توشيما عام 1905 استغلت بريطانيا وقتها هزيمة روسيا بمحاولة فرض سيطرتها على مناطق الشرق الاوسط وسلبها من الدولة العثمانية عدا عن حروب صغيرة بين فرنسا والمانيا وبين بريطانيا واسبانيا والنزاع على القوة في اوروبا ، تخلل هذه الحرب ثورة الشريف الحسين بن علي بتشجيع من بريطانيا لنفوذها السياسي والعسكري بمنطقة الشرق الاوسط ضد الدولة العثمانية وتخللها أيضا مؤامرات بلفور ومراسلات مكماهون حول فلسطين كدولة قومية لليهود  ثم إتفاقيات سايكس بيكو  التي تم بموجبها الاتفاق ان تكون العراق وفلسطين  تحت الانتداب البريطاني و سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي كما نجم عن هذه الحرب خسارة الدولة العثمانية أكثر الاراضي الاوروبية  وانسحابها من بلاد الشام والعراق وانتهت دولة الخلافة العثمانية بشكل نهائي عام 1923 من خلال إعلان مصطفى كمال أتاتوك الغاء الخلافة الاسلامية ، كل هذه الاسباب كانت وراء الحرب العالمية الاولى  التي أدت أيضا  الى جانب انهاء الخلافة الاسلامية العثمانية انهيار دولة هابسبورج عام 1918 وتفكك المانيا الى مقاطعات تحت ما يسمى بجمهورية فايمار التي تأسست عام 1918 وانتهت باستلام الزعيم النازي أدولف هتلر زعامة المانيا عام 1933 .

الأسباب التي أدت الى وقوع الحرب العالمية الاولى قد عادت حاليا الى البروز بشكل أخطر من الاسباب التي أدت الى وقوع الحرب العالمية الاولى والثانية أيضا ، فالصين تحاول بسط سيطرتها على جزر المحيط الهندي  وعلى استعداد لمحاربة اليابان وكوريا الجنوبية لمنع واشنطن من نفوذها بآسيا ، وروسيا تحاول إعادة مجد الاتحاد السوفييتي السابق بتأثيره العسكري والسياسي في اوروبا الشرقية ، والولايات المتحدة الامريكية تحاول بسط سيطرتها بالدول الآسيوية بالحرب التقنية التي تشنها بتلك المنطقة  ودعم البيت الابيض لتجسس جهاز مخابراته على اسيا واوروبا والشرق الاوسط حتى يكون هذا الجهاز مسيطرا  سياسيا واقتصاديا على تلك المناطق عدا عن ذلك فأيران تطمع بالسيطرة على مناطق الخليج العربي بدعم من واشنطن وموسكو على حد سواء اضافة الى تدويل مسالة الشعب السوري الذي أصبح ضحية ما يطثلق عليه بالقوى الكبرى المتمثلة بروسبا والولايات المتخدة الامريكية اضافة الى سياسة المستشارة انجيلا ميركيل الاوروبية ، فميركيل بسياستها الاوروبية جراء ضغوطها على الدول الاوروبية العضوة بمنطقة / اليورو / من اجل التقشف لانهاء أزمتها المالية ستساهم بظهور تكتلات سياسية جديدة في اوروبا وهذا ما يحذره خبراء السياسة الاوروبية ، وأدت هذه السياسة الى ظهور العداء لالمانيا بشكل خاص والاتحاد الاوروبي  بشكل عام . ويعتقد الخبراء انه اذا ما انهار الاتحاد الاوروبي فان حربا بين اشقاء اليوم ستقع لا محالة .. أما الولايات المتحدة الامريكية  فقد ساهمت  بنشر صواريخ دفاعية جديدة في اوروبا لمواجهة خطر ايران أدى الى اعلان الروس نشر صواريخ دفاعية جديدة على بحر البلطيق لمواجهة الصواريخ الامريكية  ، والخلاف البريطاني الاسباني حول مضيق جبل طارق لا يزال قائما والخلاف البريطاني مع الارجنتين حول جزيرة فالكانلاند لا يزال قائما والصين تدعم كوريا الشمالية نكاية باليابان  والوضع بمنطقة البلقان لا يزال متدهورا فالبوسنة  ومعها الهرسك بالرغم من استقلالهما عن صربيا وكرواتيا الا ان النعرات القومية للصرب واطماع صربيا قيام صربيا الكبرى لا تزال قائمة .

أما عن سوريا ومنطقة الشرق الاوسط ، فبالرغم من اتفاق واشنطن مع موسكو الى ضرورة انهاء أزمة ماساة الشعب السوري  سياسيا من خلال مؤتمرات جنيف 1 وربما /2/ و /3/ فتكمن  لإخضاع منطقة الشرق الاوسط تحت السيطرة الامريكية والروسية ، فموسكو وبكين تدعمان النظام السوري كما تدعمان طهران التي تحاول بسط تأثيرها السياسي والعسكري على منطقة الشرق الاوسط والخليج العربي وتسعى لمزاحمة المملكة العربية السعودية على قيادة العالم الاسلامي وتدعم واشنطن طموحات ايران ولكن بسرية تامة حتى لا تفقد صداقتها وعلاقاتها الاستراتيجية مع دول منطقة الخليج العربي .

أما الاسباب الغير المباشرة لاحتمال وقوع حرب عالمية جديدة فانهيار جدار برلين والانظمة الشيوعية في اوروبا وعودة العداء التقليدي بين الاسلامي والغرب . وهذا ما أكده جون كالفين قائد حلف شمال الاطلسي / الناتو / عام 1988  بان الحرب الباردة انتهت الا أن العداء التقليدي بين الاسلام والغرب سيعود من جديد . وأكد خبير السياسة والثقافة الدولية صموئيل هونينغتون عام 1995 بمعهد الفريد هيرهاوزين بفرانكفورت نشوب حرب ثقافات بين الاسلام والمسيحية والاسلام سينتصر مؤكدا ببرلين على وقوع تلك الحرب في تشرين أول/ أكتوبر من عام 2001 بعيد حوادث 11 أيلول/سبتمبر من عام 2001  وفرض الرئيس الامريكي السابق جورج بوش / الاب / عام 1991 نظاما جديدا للعالم انتهى باحتلال العراق  عام 2003  وظهور العداء للاسلام بشكل سافر بأوروبا من خلال صور سخرية / كاريكاتور / واحزاب قومية أعلنت صراحة معاداتها للاسلام محذرين من الاسلام السياسي محاولين وضع الزيت على النار لإشعال منطقة الشرق الاوسط  بحرب دينية  وقومية ، فلم يكن أحد يتوقع ان تتطور انتفاضة الشعب السوري  من انتفاضة لأجل الحرية الى حرب بين أهل السنة والاقليات المذهبية  فقد استطاعت ايران من خلال دعمها للاقلية النصيرية ضد الشعب السوري  انشاب فتنة مذهبية وحرب ضحاياها الشعب السوري الذي يريد فقد الحرية والعيش بكرامة فوق أرضه عدا عن ذلك فالتدخل الايراني بمنطقة الخليج ولا سيما البحرين هو فقط لإحراج السعودية بحرب تقع بينهما والغرب يتربص بتلك المنطقة الدوائر .

ويعتقد عضو الاكاديمية العسكرية واستاذ مادة التاريخ السياسي سيرجي مالكوف ، أن الحرب العالمية الثالثة او الرابعة واقعة لا محالة  فالعالم يجد نفسه  حاليا بأزمة نفسية سياسية اقتصادية يبحث عن مخرج لها فالحرب من اجل التربع على التقنيات في العالم  اضافة الى السعي لقوة اقتصادية هائلة والطموحات للتربع على القوة السياسية والعسكرية في العالم تتخلل  شرايين دماء الدول العظمى التي تتلمظ للسيطرة على منابع الطاقة في العالم وخاصة منطقة الشرق الاوسط فتلك المنطقة  منطلق الاديان والثقافات وغنية بخيرات الارض وموقعها بقلب العالم يرغم الولايات المتحدة الامريكية وروسيا واوروبا للسيطرة عليها فاذا ما تمت السيطرة على تلك المنطقة كانت اوروبا وآسيا وافريقيا مثل الخاتم بالإصبع يستطيع المرء خلعه ولبسه بسهولة .

والناس في ايامنا هذه لا يختلفون عن أناس زمن الحرب العالمية الاولى .

هـ/ع

 
المصدر:المركز السوري للعلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية