ويسألونك: ماذا بعد حلب؟!

محمد صالح الشمري

تماماً مثلما كان ما بعد القصير.. وما بعد باب سباع.. وما بعد الوعر.. و.. و.. فحلب لم تكن بداية الثورة السورية ولن تكون نهايتها.. هذه ثورة شعب طلّق الذل و الهوان و العبودية ثلاثاً.. ثورة بدأت بالحرية وتستمر بطرد المحتل المتوحش: الفارسي-الروسي..

أما بشار ونظامه فإن الضرب بالميت حرام إذ ليس له من الأمر شيء فهو مجرد صورة تستجلب بها إيران (الشرعية)!! المزيفة الوهمية..

وقبل أن نسترسل بالحديث عن: (ما بعد حلب) لعلنا نسلط الضوء على بعض المعالم التي تعيننا على الإحاطة بالموضوع فهو كبير وواسع وموجع حتى العظم فالعقلاء عندما تنزل بهم المصيبة يحسون بها، ويستوعبونها، ثم يفكرون فيما بعدها.. وعليه نقول:

* الطالب الذي يرسب بمادة ما؛ مهما كانت هذه المادة رئيسية ومحورية في الفرع الذي يدرسه.. لا يدفعه ذلك إلى ترك (الجامعة) !! بل يؤزه أزاً إلى مراجعة صارمة يتلمس من خلالها موضع الخلل هل هو: في طريقة دراسته أم هو في المنهاج أم في المدة التي خصصها للدراسة أم.. أم.. إلى آخر هذه الاحتمالات فيتتبعها ويحذف منها ما يراه غير صحيح حتى يخلص إلى السبب الحقيقي ويضع يده عليه فيعمل جاهداً وبكل الجدية على علاجه حتى ينجو من براثن الرسوب مرة أخرى..

وكذلك كارثة تاج الثورة السورية: حلب إذ يتوجب على الثورة ورجالها أن يدرسوا سبب سقوطها (لعلي أقول: سبب خسـارتها، فتلك الكلمة جارحة للقلب والنفس والضمير).. فهم أولى بهذه الدراسة لأن أهل مكة أدرى بشـعابها؛ وجميع من يحللون ويدرسون من خارج الميدان يفعلون ذلك بعقلية ونفسية (النائحة) وليست النائحة كالثكلى وإذا جاز لنا أن ندلوا بدلونا في هذا المجال نقول:

* السـبب (الرئيس) وليس (الرئيسي) وحسب لهذه الفاجعة هو: تفرق الفصائل المقاتلة وارتهانها لمصادر التمويل، إلا من رحم ربي وقليل ما هم، نعم العاصفة قوية وقوية جداً ولكن ما كان لها أن تقتلع الشـجرة لو لم تكن منخورة أصلاً.. ويقيناً لو كانت الشجرة سليمة معافاة متماسكة لما استطاعت العاصفة اقتلاعها.. قد تنال من بعض أغصانها أو تُسقط بعض أوراقها إلا أنها ستعجز حتماً عن اقتلاعها بهذه الصورة المؤلمة الموجعة المذلة..

ثمة ملحظ لم يأخذ حقه من التحليل على كثرة الأقلام التي تناولت الموضوع؛ وهو: (الفردية) التي ابتُلي بها الإنسان السوري.. والتي انعكست، مع الأسف، على الثورة السورية وأدت إلى تعدد الفصائل والاجتهادات الشخصية في مسارها.. إلا أن للموضوع بعد آخر: فلو أن شخصاً ما وضع في زنزانة مقرورة الجدران محكمة الإغلاق لا ينفذ إليها شعاع شمس قط وبقي فيها خمس سنوات كاملات فإن هذه الظلمات ستؤثر على نظره.. فإذا أخرجته إلى الشارع ظهر يوم تموزي لاهب.. ما الذي تنتظره منه.. هل تتوقع أن يكون بكامل اتزانه وثبات خطواته وسلامة تفكيره وصواب قراراته؟!!! وهذا الشخص حرمته من النور خمس سنوات وحسب.. فماذا تنتظر من الشعب السوري الذي بقي في زنزانة الظلم والعسف والطائفية المقيتة لمدة خمسة عقود مظلمة قاتمة؟! هذا الكلام ليس للتبرير وما ينبغي لنا أن نبرر.. ولكن التوصيف الموضوعي السليم للحالة المعنية يقود عادة إلى تشخيص صحيح قدر الإمكان.. فمطالبة الثوار بالقرار السليم والرأي الحصيف والسلوك الأمثل.. بعد كل ذلك الجور والظلمات يحتاج إلى بعض التروي والرفق والتفهم.. وغني عن البيان أن إحدى إفرازات هذا الوضع هو التشتت وعدم القدرة على التوافق على رأس أو رمز لهذه الثورة فكانت ثورة بلا رأس (سياسياً وعسكرياً) ووضع كهذا سيقود قطعاً إلى هذه الحالة المأساوية ولن يرتكز قطار الثورة على سكته الصحيحة ويتوجه وجهته السليمة ما لم تتدارك الثورة هذا الخلل وتصححه..

* الخنجر الذي غُرز في ظهر الشهباء هو: (أصدقاء الشعب السوري) الذين عملوا بكل جهودهم على حقنه بحقن المورفين طوال هذه السنوات وما يزالون.. ويحشرون في فمه (لهّاية) المؤتمرات واللقاءات وفتات المساعدات الغذائية الشحيحة.. وكأنه شعب جائع قام بثورته من أجل الخبز.. وليس طالباً للكرامة والحرية.. وهم يعلمون -علم يقين-  أن درء هذه الكارثة كان ممكناً جداً ببضع صواريخ مضادة لطائرات الموت والدمار التي كانت تُمطر الشهباء بالصواريخ الروسية هائلة التدمير وبراميل بشار التي تخبط خبط عشواء فلا تستثني مرفق من مرافق الحياة في المدينة المنكوبة إلا وجعلته كالرميم..

وقد عبَّر المحلل الأميركي ريتشارد لوتواك عن الاستراتيجية الأميركية حيال الثورة السورية - وهي من أصدقاء الشعب السوري!!- في مقال له صدر يوم 25/8/ 2013 في صحيفة نيويورك تايمز بعنوان: "في سوريا ستخسر أميركا إذا فاز أي طرف": (إن فوز أي من الأطراف سيكون غير مرغوب فيه بالنسبة للولايات المتحدة.. لذا يجب أن تكون حرب الاستنزاف هي هدف أميركا. والطريقة الوحيدة لإنجاز هذا هي تسليح المتمردين كلما بدا أن قوات الأسد في صعود، ووقف إمدادهم إذا ظهر أنهم سيفوزون).

ولعلي أعرج هنا على دور أهلنا في الخليج العربي فأقول: يا إخواننا وسندنا ألم تقولوا وبصدق: إن هذا النظام يجب أن يرحل إما بالطرق السياسية أو بالعمل العسـكري!! أين اختفيتم بعد ذلك ولم يعد لكم أي حضور في هذه الثورة المباركة.. فلا بد من كلمة صريحة ناصحة في هذا المقام ينبغي أن تسمعوها وهي:

إياكم ثم إياكم أن يخالط قلوبَكم ونفوسَكم وضمائرَكم أنكم إنما تدافعون عن أهل الشام... كلا فإن جبار السـموات والأرض قد تكفل بالدفاع عنهم بقول مَن لا ينطق عن الهوى: ( فإن الله عز وجل تكفل لي بالشام وأهله)[1]  إنكم إنما تدافعون حقيقة عن شـرف حرائر جزيرة العرب اللواتي لم تصل إليهن يدٌ أثيمة أو نفسٌ مريضة.. فالفرس إنما جاءوا يحملون في قلوبهم ونفوسهم الموتورة ثارات بنات كسـرى اللواتي تم بيعهن جوارياً ذليلات في أسواق المدينة المنورة.. ولن يتراجعوا أو تفتر لهم همة حتى يثأروا لهذا العار الذي لحق ببنات كسرى وفارس وقد صرحوا أكثر من مرة بأن هدفهم القادم هو مكة والمدينة وما تخفي صدورهم أكبر:

 يقول المفكر الكويتي النفيسي: إن أول رسالة أرسلها الشاه اسماعيل الصفوي بعد استيلائه على إيران كانت لملك البرتغال عام /1501م/ يقول له فيها: فلنضع أيدينا بأيدي بعض ونغزوا مكة والمدينة..

ويقول أيضاً: إن من بنود الاتفاق النووي الإيراني الغربي: ان أمريكا تتكفل بحماية الدور الإيراني في الجزيرة العربية..

 ويقول أيضاً: كنتُ في وفد من مجلس الأمة الكويتي في زيارة لإيران عام /1992/ فجلس بجانبي الرئيس الإيراني الحالي وقال لي: أنتم جميعاً ستكونون مواطنين إيرانيين فقلتُ له: هل أبلغ هذا الكلام لرئيس الوفد؟ فقال: بل بلغه لأميرك!!

     فالشام خط دفاعكم الأول فلا ينبغي أن يلهيكم عنه أمرٌ مهما عظم أو كبر..

* أما أم المصائب ابنة واشنطن وربيبة طهران وحضن النظام السوري الدافئ: (داعش) فإنني أعترف بعجزي التام عن وصف ضررها وخطرها على دين التوحيد الذي لم يرزأ بمثل هذه المصيبة السوداء العاتية من يوم اقرأ إلى يوم الناس هذا.. ولكنني على ثقة تامة بقول قاصم الجبارين ومزلزل عروش الطغاة والمتجبرين: ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين..

ثم عود على بدء.. وماذا بعد حلب:

(ان سقوط حلب لن ينهي الحرب، بل سيحدد بداية فصل دموي بربري جديد في هذا النزاع)[2]

(بعد حلب لن يكون للسوريات والسوريين من خيار غير استئناف ثورة الحرية.. وفتح صفحة الوطنية الجامعة التي ستضم قواها المتنوعة جميعها لتشـق طريقها إلى الهدف السامي: دمشـق الحرة)[3]



[1] رواه الطبراني- صحيح.

[2] المعلق كون غوكلين صحيفة "صندي تلغراف" في 18/12/2016م.

[3] ميشيل العربي الجديد 24/12/2016.

 

 

المصدر:المركز السوري للعلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية