نواظم السياسة الأمريكية الخارجية ومتغيراتها الذاتية في عهد الرئيس ترامب

د. حسين قطريب

تستند سياسات الدول إلى ركائز عدة تشكل قاعدة الانطلاق لسياساتها الخارجية، تتمثل في عناصر القوة الصلبة العسكرية، والتقنية المتوفرة، والقوة الناعمة للمؤسسات الاقتصادية والثقافية والدبلوماسية، وكذلك التحالفات السياسية.

وترسم الدول سياساتها تحت سقف مصالحها بشكل عام، ووفقاً لحجمها ووزنها السياسي، وضمن إطار محددات استراتيجية تضعها لنفسها، على مستوى الأمكنة والأقاليم في العالم، وإن التحليل الموضوعي للسياسات لابد أن يستند إلى مجموعة العوامل الصانعة لها والمؤثرة فيها، وليس لعامل واحد، وتعمل تلك العوامل مع بعضها البعض، وتتكامل بأدوارها، ويأخذ كل واحد منها دوره وحجمه بالتأثير، وفقاً لطبيعة النظام السياسي الحاكم، ومنظومة القيم والمبادئ السياسية الناظمة للحياة السياسية في الدولة.

والمتغيرات التي تطرأ على مرتكزات السياسة ومحدداتها وعوامل التحكم والتأثير فيها، تؤثر على السياسات الاستراتيجية الثابتة تأثيراً طفيفاً قلما يرقى حجمه إلى شكل الانعطاف عن التوجه الاستراتيجي المعهود عن سياسات الدول، خاصة في دولة قوية كاملة البناء، وناضجة مستقرة فكرياً وسياسياً، كالولايات المتحدة الأمريكية.

والولايات المتحدة الأمريكية أقوى دول العالم عسكريا واقتصادياً وتقنياً، وتملك من القوى العسكرية ما تغطي بها فضاءات الأرض الثلاثة، البري والبحري والجوي، وتستطيع الوصول بها بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى أية نقطة على سطح الأرض، بسرعة تفوق سرعات وصول القوى الأخرى كافة، وضمن ظروف لوجستية وعسكرية متفوقة ومتكاملة بين أنواع الأسلحة والتقنيات كافة، ما يوفر لها إمكانية شن الضربات الاستباقية وشل قدرة أعدائها، فضلا عن عِظَم تأثير قواها الناعمة المتوافرة في اقتصادها المستند إلى قاعدة عريضة من الموارد، ومؤسساتها المتطورة، وخبراتها المتراكمة، وكثرة أتباعها وحلفائها وأنصارها على مستوى العالم السياسي، ذلك كله يشكل مرتكزات صلبة للسياسة الأمريكية.

وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية نفسها قائدة للعالم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي في تسعينات القرن العشرين، ولا تحسب نفسها على أي طرف من أطراف النزاع، وتعتقد بأن إرادتها السياسية هي الغالبة في العالم، لأنها قادرة على فرضها على أي طرف من أطراف النزاع كائناً من كان وأينما كان، وتتبع أحياناً سياسة منح الأدوار وتوجيهها عن بعد، وتفعيل التوازنات، والاستفادة من التناقضات، لبناء توازن إيجابي بين الفاعلين المحليين أو الإقليميين، وتكوين أحلاف عسكرية وسياسية لخدمة مصالحها.

ولا يمكن لأي رئيس أمريكي أن يؤثر في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تأثيراً مطلقاً، لأن رسم السياسة الأمريكية الخارجية يمر في مؤسسات راسخة، ويشترك في وضعها جهات متعددة، وعوامل ومؤثرات كثيرة، وتحكمها المصالح والأهداف والمحددات الاستراتيجية للولايات المتحدة، وهي فوق العواطف الإنسانية والدوافع الشخصية، وقد تتأثر بالمتغيرات الذاتية ولكنها لا تنعطف بسببها، ومن أهم العوامل والجهات المؤثرة في السياسة الأمريكية الخارجية ما يلي:

1-   المصالح والأهداف والمحددات الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية، وهي تشكل المنطلقات الحقيقية المباشرة وغير المباشرة للسياسة الأمريكية الخارجية، ويمتد وجودها إلى مناطق سطح الأرض البرية والبحرية كافة، وتختلف طبيعتها وأولويتها حسب الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية للأماكن والأقاليم على سطح الأرض.

2-   سياسة الحزب الحاكم، ويتناوب على حكم الولايات المتحدة الأمريكية حزبان هما: الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري، مما جعل للولايات المتحدة الأمريكية ثنائية متعاقبة من السياسات التكتيكية، ولكن ضمن إطار مصالحها ومحدداتها وأهدافها، وسياستها الخارجية الاستراتيجية الثابتة، والمتغيرات الذاتية أو الموضوعية إنما تستخدم من أجل إيجاد ديناميكية سياسية غالبا ما تستهدف المزاج الأمريكي الداخلي، ولوحظ ذلك في سياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة في العقود الأخيرة، حيث جاءت الإدارة الجمهورية للرئيس جورج بوش الأب والابن لتمحو الانطباع السائد عن السياسة الأمريكية في عهد الإدارة الديمقراطية السابقة لها للرئيس بيل كلينتون، وجاءت لاحقاً الإدارة الديمقراطية للرئيس باراك أوباما لتمحو آثار السياسة الأمريكية في عهد الإدارة الجمهورية للأب والابن دبليو بوش التي سبقتها، وهكذا بدت سياسة الإدارة الجمهورية الجديدة للرئيس دونالد ترامب منذ اللحظة الأولى، بالعمل على تغيير الانطباع السائد عن سياسة الولايات المتحدة في عهد الإدارة الديمقراطية السابقة للرئيس باراك أوباما، وفي الحقيقة كل تلك الديناميكيات في السياسة الأمريكية، تمت ضمن هوامش ضيقة على شواطئ سياسة أمريكية ثابتة، تتمثل بشكل رئيسي بما يلي:

أ‌-      تأكيد تفوقها العسكري والتقني على أنها القوة الأولى في العالم والقائدة له.

ب‌-  حماية أمنها القومي من الأخطار المحتملة.

ت‌-  حماية مصالحها الاقتصادية ومناطق مصادر الطاقة الرئيسية في العالم.

ث‌-  حماية حلفاءها الاستراتيجيين والسياسيين في العالم، وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني.

ج‌-   مراقبة سلوك الدول التي تعتبرها من وجهة نظرها السياسية مارقة أو داعمة للإرهاب كـ كورية الشمالية وإيران.

ح‌-   مراقبة سلوك الدول ذات التوجه الأيديولوجي الخاص أو الإسلامي، التي قد تخرج بسياستها عن القواعد السياسية التي تفرضها الولايات المتحدة في اقليمها، كالصين وروسيا وتركيا.

خ‌-   محاربة ما تسميها بقوى الإرهاب والتطرف الإسلامي المتمثلة حالياً بداعش والقاعدة.

د‌-     مراقبة سلوك الحركات الإسلامية السياسية غير المتطرفة، التي لا ترغب بوصولها إلى سدة الحكم في بلدانها، كحركة الاخوان المسلمين.   

والفرق الجوهري بين سياسة الحزبين الجمهوري والدمقراطي هو أن الجمهوريين ينحون دائما نحو سياسة أكثر مغامرة في تأكيد تفوق القوة الأمريكية، كقوة أولى في العالم، ويضعون استخدام القوة في سياستهم في مقدمة الدبلوماسية، أما الديمقراطيون فهم أقل مغامرة في استخدام القوة، ويميلون إلى تقديم الدبلوماسية على القوة. 

3-   الرئيس وإدارته وتشمل مجلس الوزراء ومجلس الأمن القومي وشخصيات تنفيذية معتبرة أخرى، كسفيرة الولايات المتحدة في مجلس الأمن والأمم المتحدة، ومن أهم الفاعلين فيها الرئيس، ووكالة الاستخبارات المركزية، ووزارة الدفاع "البنتاغون"، ووزارة الخارجية، ومجلس الأمن القومي، ويتأثر سلوك هذه الإدارة بشخصية أفرادها وبسياسة مرجعيتها الحزبية.

4-   المؤسسات التشريعية، وتشمل مجلس الشيوخ ومجلس النواب، والكونغرس الذي يتكون من مجموع أعضاء المجلسين الشيوخ والنواب.

5-   مراكز البحوث والدراسات، وتحظى دراساتها باهتمام الساسة الأمريكان، وتشكل المصدر الأساسي للمعلومات والآراء التي تؤثر في صناعة القرار، وتسهم بالتالي في بلورة الخيارات السياسية للولايات المتحدة الأمريكية، ومن أشهرها مركز بروكينغز ومعهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط، ومعهد أميركان انتربرايز، وميدل إست فورم، ومؤسسة راند، ومؤسسة كارنغي، ومعهد هدسن، ومركز هوفر انستيتيوشن، ومركز بلفير للعلوم والشؤون الدولية، ومركز التنمية الدولية، ومركز الشرق الأوسط، ومئات المراكز الأخرى، ومعظم مراكز الدراسات الأمريكية تبدو مستقلة، ولكنها في الحقيقة هي إما أن تعمل تحت تأثير وكالة المخابرات الأمريكية المركزية والبنتاغون ووزارة الخارجية أو اللوبي الصهيوني.

6-   مجموعات الضغط واللوبيات، وأكثرها فاعلية وتأثيراً اللوبي الصهيوني، وهذه المجموعات غلباً ما تؤثر من خلال مراكز البحوث التي تمولها أو من خلال صناعة الرموز السياسية ودعمها، أو من خلال التأثير في خيار الناخب الأمريكي.      

وبالنسبة للأزمة السورية تنظر الولايات المتحدة الأمريكية إلى خروج أي طرف من أطرافها فائزاً بسورية ليس في صالحها، وترى نجاح المحور التركي – العربي قد يؤدي إلى خروج تركيا عن قواعد العمل السياسي التي تفرضها هي في المنطقة، وبالنسبة لإيران ليس لديها أية حساسية تجاه نفوذ إيراني معقول في المنطقة، وغضت الطرف سابقاً عن التدخلات الإيرانية في العراق وسورية، ولكن ما يؤرقها الآن هو تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة إلى الحد الذي قد يحول إيران إلى لا عب دولي، ويجعلها تخرج عن قواعد العمل السياسي التي تفرضها هي في المنطقة أو يؤدي إلى تهديد أمن الكيان الصهيوني، أو إلى تعزيز نفوذ المحور الروسي – الصيني في المنطقة.

وضمن القاعدة الفلسفية التي تنص على أن لكل إنسان عقلاً مكوِناً "بكسر الواو" وعقلاً مكوَناً "بفتح الواو" إن عقلاً سياسياً ما يتناسب مع ثوابت السياسة الأمريكية سَيُعمل على تكوينه لدى الرئيس دونالد ترامب، وسيكون لوكالة المخابرات الأمريكية دوراً بارزاً في تكوينه عن طريق اطلاعه على المعلومات السرية المتوفرة والمتجددة تباعاً، كما سيكون لجماعات الضغط واللوبيات في داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها دوراً في ذلك أيضاً، فهل تستطيع تركيا بأهميتها الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية ووزنها العسكري والسياسي أن تؤدي دوراً في ذلك؟ وكذلك قوى التأثير الأخرى العربية والإسلامية، نأمل ذلك.

باتت أزمات المنطقة متطايرة الشرر، وتحتاج إلى حلحلة ووضع حد لها، وهذا متغير أشار إليه وزير الدفاع الأمريكي بقوله: كل اضطراب في منطقة الشرق الأوسط وراءه إيران، وقال فريدريك هوف السفير الأمريكي في سورية سابقاً لبرنامج حدث اليوم في قناة العربية بتاريخ 18 / 4 / 2017م، لقد أدركت الولايات المتحدة الأمريكية أن استمرار بقاء الأسد في الحكم يعني استمرار بقاء داعش واستمرار الدعم لها.

أما المتغيرات الذاتية الحاصلة في الولايات المتحدة الأمريكية فهي متوافقة باتجاه واحد، وتدعم إرادة الإدارة الأمريكية في سهولة اتخاذ القرارات، وسرعة التحرك باتجاه قضايا المنطقة وأزماتها، ومن أهم تلك المتغيرات ما يلي:

1-   سياسة جديدة لحزب حاكم هو الحزب الجمهوري، بدلا من سياسة الحزب الديمقراطي الحاكم السابق.

2-   رئيس جمهوري جديد هو الرئيس دونالد ترامب وإدارة جديدة جلها من شخصيات جمهورية معروفة بتشددها تجاه بعض القضايا، وخاصة تجاه زيادة تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة.

3-   هيمنة الحزب الجمهوري على مؤسسات الولايات المتحدة الأمريكية التشريعية والتنفيذية كافة، البيت الأبيض، والكونغرس، ومجلس الشيوخ، ومجلس النواب، وزارة الدفاع، والخارجية، ووكالة المخابرات الأمريكية المركزية، ومجلس الأمن القومي.

والإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس ترامب بحاجة إلى تحقيق إنجاز جديد في منطقة الشرق الأوسط له صدى وتأثير، تعيد فيه الهيبة للولايات المتحدة، وتؤكد من خلاله تفوقها العسكري والسياسي، وتحد من تنامي النفوذ الروسي والإيراني، وصورة هذا الإنجاز وصداه لا يكتملان إلا بتحقق أمورعدة، هي:

1-   انخراط أمريكي أكثر صرامة وفاعلية في أزمات المنطقة على المستويين العسكري والدبلوماسي.

2-   انتقال سياسي في سورية ينهي أركان النظام السوري وعنفه المسلح.

3-   تحجيم النفوذ الإيراني في سورية والعراق، من خلال عمل دبلوماسي، أو عمل عسكري مباشر يشترك به الكيان الصهيوني، أو حرب إقليمية بين حلف عربي–إسلامي وإيران.

4-   محاربة المنظمات الإرهابية، وتفتيت بنيتها التنظيمية، وإنهاء وجودها العلني.   

المصدر:المركز السوري للعلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية