مائة عام على وعد بلفور

د. هيثم عياش

 لم يكن وعد وزير الخارجية البريطاني  جيمس ارتور بلغور / 1848 – 1930/ زعماء اليهود في العالم بمقدمتهم رئيس  المنظمة الصهيونية الدولية حاييم وايزمان / 1874- 1952 / واللورد البريبطاني اليهودي ليونيل فالتر روتشيلد / 1868- 1937/  الذي اشار اليهما برسالة بعثها اليهما ، بأن جلالة الملك جورج الخامس / 1865- 1936/ تنظر بعين العاطفة اعطاء فلسطين دولة قومية لليهود مجرد صدفة ، بل سبقت وعوده احداث جسام في تاريخ الانسانية الحديث ولا سيما تاريخ المسلمين . ففي عام 1898 تأسست بمدينة بازل السويسرية  الحركة الصهيونية العالمية التي دعا اليها تيودور هرتزل / 1860- 1904 / وكان من مقرراتها اقامة دولة لليهود على ارض فلسطين ، الا ان دعوته تلك جوبهت برفض من بعض زعماء اليهود الذين كانوا يرون صعوبة ذلك نظرا لوجود دولة الخلافة الاسلامية العثمانية وتم اقتراح دولة لليهود في اوغندا الا ان تقرير دولة لليهود على ارض فلسطين بقي تصميما واقامتها على ارض فلسطين بحاجة الى نفس طويلة . وهو ما أكده القيصر الالماني فيلهلم الثاني / 1859-1941 / الذي أكد لهرتزل باجتماعه به في القدس عام 1901 تأييده اليهود بدولة لهم في فلسطين مؤكدا له صعوبة ذلك بسبب  الخليفة السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله / 1854 – 1918/ مطالبه وقتها بالتروي فعندما تنهار دولة الخلافة الاسلامية العثمانية او إقصاء السلطان عبد الحميد فقيام دولة لليهود في فلسطين   تصبح سهلة ، وذلك وفق وثائق الخارجية الالمانية .

وعد بلفور جاء  ضمن اتفاقيات سايكس بيكو ، عندما اعلنت بريطانيا وفرنسا تقسيم بلاد الشام بينهما ، فلسطين والاردن والعراق من نصيب بريطانيا ولبنان وسوريا من نصيب فرنسا .

ويرى استاذ علوم التاريخ السياسي بجامعة الجيش الالماني بمدينة ميونيخ ميشائيل فولفسون ، وهو يهودي معاد للصهيونية / بوعد بلفور بانه خال من الحياء والانسانية ، بينما يرى استاذ علوم التاريخ الاوروبي بجامعة مدينة هومبولدت اوجوست اولريخ فينكلر بوعد بلفورسيبقى لعنة على بريطانيا فهو كان وراء الحروب التي وقعت بمنطقة الشرق الاوسط ووراء العنف السائد بتلك المنطقة ولن يكون لبريطانيا واوروبا التي أيدت قيام دولة قومية لليهود على ارض فلسطين بشكل مباشر وغير مباشر أي هدوء وسلام ، صحيح ان الحربين العالميتين الاولى والثانية انتهت واعلن الاوروبيون انه لا حرب بعد الحرب الثانية الا ان عدم الاستقرار والخوف من المجهول ووقوع حروب جديدة بين الاوروبيين لا بد منها . بينما يرى الصحافي والكاتب الالماني ابراهام ميلتسر احد المعادين للصهيونية وصاحب كتاب تقديم / اسرائيل / الى محكمة الجزاء الدولية بأنه اذا ما منح مجلس الامن الدولي والامم المتحدة الاستقلال التام لمحكمة الجزاء الدولية فعليها ان تقوم بتقديم بريطانيا وحكومة الكيان الصهيوني  الى المحكمة المذكورة لانها وراء تشريد الملايين وقتل الالاف من الشعب الفلسطيني وبالتالي  وراء تدمير اليهود ، فدولة عنصرية صهيونية يعني انها دولة لقتليهود الارض .

وعد بلفور تم على يد الزعماء العرب في تلك الايام ، اذ تعاونوا مع بريطانيا وبعض الدول الاوروبية ضد الدولة العثمانية فشريف مكة الحسين بن علي الذي قاد ما يُطلق بالثورة العربية ضج الخلفاة الاسلامية كان يطمع ان يصبح خليفة بوعد من الانجليز والفرنسيين الا انهم خذلوه بانتهاء الحرب العالمية الاولى وخذلوا ابنه الملك فيصل عندما استلم حكم سوريا فما ان دخلت فرنسا لبنان وسوريا الا ان انذروه بمغادرة دمشق الى العراق . وترى استاذة منطقة الشرق الاوسط في  جامعة مدينة بوتسدام / القريبة من برلين / آنيه كاترين فون شونيفليد ، سبب خذلان الانجليز والفرنسيين للهاشميين لعدم درايتهم بالسياسة الاوروبية ولتغلغل الفكر القومي لدى العرب والاتراك على حد سواء.

ويؤكد خبراء منطقة الشرق الاوسط بمعاناة بلاد الشام سببها وعد بلفور فجميع الشعوب الاسلامية ترى بتحرير القدس مسئوليتها الرئيسية ، ويرون بالحركات الاسلامية التي تدعو لاسترداد فلسطين الخطر الاكبر عليها ، وهو ما كان يراه وزير الخارجية الالماني  الراحل جويدو فيسترفيليه فهو أعلن اثناء مؤتمر صحافي عقده مع نظيره النمساوي سباستيان كورتس  عام 2013 ببرلين اذا ما استطاع الشعب السوري حكم دمشق من بشار اسد فوجهتهم الثانية تحرير القدس وعلى اوروبا عدم السماح بذلك.

كانت دولة الخلافة الاسلامية العثمانية حجر عثرة أمام أطماع اليهود في فلسطين ، فهم كانوا قد عرضوا  على  الخليفة السلطان  عبد الحميد الثاني رحمه الله تعالى مبلغا كبيرا من المال لدعم الخزينة المالية للدولة مقابل اعطائهم فلسطين كان الجواب انها ليست ملكه بل ملك المسلمين وطردهم من قصره ولما تم القضاء على الخلافة تم تقطيع جسد الارض الاسلامية .

ويذكر التاريخ بأنه ملك بابل بختنصر  دخل المسجد الاموي بدمشق ، كان موضع مسجد دمشق قبل الاسلام والمسيحية واليهودية مكانا للصلاة والعبادة ، فوجد دما يفور من الحرارة فسأل عن سبب ذلك فقيل له ان بني اسرائيل قتلوا على موضعه احد الانبياء فهو يطالب بحقه ، فقتل على البقعة سبعين الف شخصا وبدأ الدم يهدأ الى ان مر الى جانبه أحد الانبياء ويقال انه حزقيا او أرميا ، فقال له ايها الدم إهدأ بإذن الله فمن اجلك قتل الكثير من المسلمين ، ومنذ القضاء على الخلافة الاسلامية ذهب ضحية المطالبة بحقها الملايين من المسلمين وغير المسلمين الذين كانوا يعيشون تحت ظل الخلافة الاسلامية .

ويقول التاريخ بما ذكره التوراة في العهد القديم ، سفر الأنبياء ، أن الله تعالى أوحى الى أرميا أن يذهب الى بلاد العرب ويأخذ معه معد بن عدنان / أحد أجداد النبي صلى الله عليه وسلم / حتى لا تصيبه النقمة اذ ان الله تعالى أمر أرميا بأن يذهب الى بختنصر ويقول له بأن الله تعالى قد سلطه على العرب لافسادهم مثل بني اسرائيل ، وسبب أخذ ارميا معد بن عدنان لن الله تعالى أوحى له بأنه سيخرج منه آخر الانبياء .

وعد بلفور سيبقى عارا في جبين الانسانية وخزيا للمسلمين ولن يمحى الا بتحرير فلسطين ولعل ما قاله الشاعر والدبلوماسي السوري عمر ابو ريشه  رحمه الله عن غباء المسلمين وعدم اخذهم تطورات السياسة مأخذا الجدية صحيح :

أمتي يا أمتي هل لك بين الامم منبر للسيف او القلم

أتلقاك وطرفي مطرق خجلا من أمسك المنصرم

أمتي كم غصة دامية خنقت نجوى علاك في فمي

ألإسرا\يل تعلو راية في حمى المعهد وظل الحر ؟

رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم

لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم

هـ/ع

المصدر:المركز السوري للعلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية